في هذه الصفحة
Don’t Wait, Lead Now

يرى جيم لورد في كتابه لا تنتظر، تولَّ القيادة الآن أن القيادة يمكن أن تبدأ قبل أن يحصل الإنسان على منصب رسمي أو تنتظره فرصة مناسبة. يستند إلى خبرة تزيد على ثلاثين عاماً في الإدارة، ويروي قصصاً عن أشخاص أثّروا في مسيرته، وقرارات اختبرت حكمه، وتصرفات صغيرة تركت أثراً طويلاً.
يتناول الكتاب أفكاراً مألوفة: بادر، وتواصل بصدق، واطلب من الناس تحمّل مسؤولياتهم، وساعدهم على التطور. لكن قيمة هذه الأفكار تظهر في المواقف التي يرويها لورد. فقد تكون الترقية المصحوبة براتب أعلى قراراً غير مناسب. وقد تعني رسالة تهنئة قصيرة مكتوبة بخط اليد أكثر من رسالة تقدير جاهزة. وإسناد المسؤولية إلى شخص آخر لا يلغي الحاجة إلى متابعة ما يحدث بعد ذلك.
ترتبط هذه المواقف بتغيّر أحاول إحداثه في عملي. أحاول أن أعتمد أقل على حل المشكلات التقنية بنفسي، وأن أساعد الآخرين أكثر على اتخاذ القرارات وتحمل مسؤوليتها. وأحتاج عند تطبيق أفكار لورد إلى تقدير الموقف جيداً: إذا توليتُ عملاً أكثر من اللازم، فقد أخلق اعتماداً جديداً عليّ. وإذا تدخلتُ في كل تفصيل، فقد تتحول المتابعة إلى سيطرة.
ابدأ بالقيادة من موقعك الحالي
ترك لورد المدرسة الثانوية في السنة السابقة لسنة التخرج ليعمل ويساعد أسرته مادياً. ثم عاد في العام التالي، وتخرج بتفوق، وحصل لاحقاً على شهادة جامعية من كلية بروفيدنس. ومن هناك بنى مسيرة مهنية نقلته من العمل الميداني إلى الإدارة العليا.
تمنح قصته عنوان الكتاب معنى ملموساً. فالمسؤوليات الأولى التي تحملها لم ترتبط بمنصب إداري. كان عليه أن يفي بوعد قطعه، وأن يؤدي العمل المتاح أمامه، وأن يجد سبيلاً لمتابعة تعليمه ومساعدة أسرته في الوقت نفسه.
وفي مرحلة لاحقة من مسيرته، طوّر من تلقاء نفسه حلاً آلياً لأحد العملاء المهمين. لبّى الحل حاجة فعلية وجعل مساهمته واضحة. يريد لورد أن يبين أن انتظار منصب يمنحك الإذن بالتصرف قد يجعلك تغفل عملاً نافعاً تستطيع القيام به الآن.
أجد هذه الفكرة مفيدة، بشرط أن أسأل أيضاً: من ينبغي أن يتولى العمل؟ أحياناً تعني المبادرة أن أجعل المشكلة واضحة، أو أجمع الأشخاص المعنيين، أو أوفر لشخص آخر السياق الذي يحتاجه ليواصل العمل بنفسه.
طوّر أشخاصاً يستمر أثر عملهم بعدك
في حفل تقاعد بوب، وهو مسؤول دعم لورد في بداية مسيرته، لفتت انتباهه كلمتان. تحدث أحدهما بصورة شخصية وصلت إلى الحاضرين، بينما قرأ الآخر من بطاقات أعدّها مسبقاً وبدا بعيداً عنهم، رغم معرفته ببوب منذ سنوات. خرج لورد من الموقف بقناعة حول أهمية الحديث بصدق.
اهتم لورد أيضاً بأن يكون تقديره للناس شخصياً. فحين أصبح مسؤولاً، كان يرسل رسائل تهنئة مكتوبة بخط يده إلى الموظفين المتميزين في المبيعات بدل الرسائل الموحدة المعتادة. وسط الرسائل المتشابهة، برزت تلك اللفتة وبقيت في الذاكرة.
لكن ما شدني أكثر هو أثر بوب في الأشخاص الذين حضروا الحفل. فقد منح لوردَ فرصةً في وقت مبكر، واستطاع أن يرى كيف امتد أثر ذلك القرار إلى مسارات مهنية أخرى. أظهر الحفل ما يمكن أن ينتج عن سنوات من دعم الناس وتطويرهم.
يعود لورد إلى هذه الفكرة عندما يتحدث عن التوظيف والترقية. فهو يدعو إلى النظر أبعد من السيرة الذاتية المصقولة، والانتباه إلى الدافع والقدرة على التكيف والإمكانات الكامنة. يظهر إسهام القائد أيضاً فيما يستطيع الآخرون فعله بالفرص والدعم اللذين يحصلون عليهما.
بالنسبة إلى قائد تقني، هذا مقياس يتطلب جهداً. قد يؤدي حل مشكلة صعبة بنفسي إلى نتيجة سريعة. أما مساعدة زميل على فهمها، واتخاذ قرار مدروس بشأنها، وشرح قراره للآخرين، فتتطلب نوعاً مختلفاً من العمل. ومع الوقت، تتغير قدرة الفريق على العمل دون الاعتماد على شخص واحد. ومن هذا المنظور أقرأ أيضاً كتاب لايكر The Toyota Way: يساعد القائد الناس على فهم المشكلات وحلها، بدل أن يصبح هو المسار الذي تمر عبره كل مشكلة.
اختر الظروف التي تستطيع أن تقود فيها جيداً
بعد سنوات طويلة في إحدى الشركات، عُرض على لورد منصب قيادي في وحدة أعمال أخرى مع زيادة كبيرة في الراتب. كانت لديه مخاوف بشأن أسلوب قيادة رئيس تلك الوحدة، فطلب مشورة شخص يثق به. ثم رفض المنصب.
ازدهرت الوحدة التي بقي فيها، بينما واجهت الوحدة الأخرى مشكلات كبيرة. تُظهر لنا معرفة ما حدث لاحقاً أنَّ قراره كان واضحاً، لكنه حين اتخذه لم يكن يعرف كيف ستسير الأمور.
وهذا ما يجعل القصة مفيدة. فالمنصب والراتب لا يصفان الدور كاملاً. الأشخاص الذين يحددون الأولويات، ويتعاملون مع المشكلات، ويؤثرون في طريقة معاملة الموظفين يحددون أيضاً ما يستطيع القائد إنجازه. كان على لورد أن يقرر إن كان ذلك المنصب سيوفر له الظروف التي تسمح له بالقيادة وفق قيمه.
يظهر السؤال نفسه داخل الدور الحالي أيضاً. عندما تمتد المسؤولية عبر حدود الفرق أو الأقسام، أحتاج إلى فهم القرارات التي تقع ضمن صلاحيتي، والقرارات التي يمكنني التأثير فيها، والوقت الذي ينبغي فيه إشراك صاحب القرار. وضوح هذه الحدود يساعدني على تحمل مسؤوليتي دون أن أستحوذ على قرار يخص شخصاً آخر.
ابقَ قريباً من العمل الفعلي
يستخدم لورد عبارة «تحقق مما تتوقعه» ليصف الاهتمام المطلوب بعد تحديد توقع أو إسناد مهمة. ويرى أن على القادة الاستماع إلى العملاء والموظفين القريبين من العمل اليومي، لأن التقارير التي تصعد عبر مستويات الإدارة قد تفقد أجزاء مهمة من تجربتهم. أربط هذه الفكرة بكتاب How Google Works، الذي يدعو إلى الشفافية وتدفق المعلومات بصورة منفتحة. بالنسبة لي، تدعم الفكرتان الحاجة إلى البقاء قريباً بما يكفي من العمل لسماع ما قد تغفله التقارير.
يدعو لورد كذلك إلى تبادل الملاحظات في مختلف الاتجاهات، من الموظفين إلى المديرين وبين الفرق. فقد يلاحظ الأشخاص الأقرب إلى المشكلة بوادرها مبكراً، لكنهم يترددون في الحديث عنها لأنهم لا يرون ذلك من اختصاصهم. ومن يريد فهم ما يحدث فعلاً يحتاج إلى إفساح المجال لهذه الملاحظات.
أقرأ هذا بوصفه دعوة إلى التواصل المستمر مع العمل ومن يقومون به. عندما نتفق على النتيجة المطلوبة، ونسأل عمّا تعلمناه، ثم نراجع النتيجة معاً، يحصل الفريق على مساحة للتصرف. وفي الوقت نفسه أبقى مطلعاً بما يكفي لأقدم الدعم أو أتدخل عند الحاجة.
أين أقرأ نصائحه بتمعّن أكبر
تُعد صراحة لورد جزءاً من جاذبية الكتاب، لكنها تجعل بعض قواعده الموجزة سهلة التعميم أكثر مما ينبغي. تشير عبارة «تمرين ضغط إضافي واحد» إلى بذل جهد إضافي قد يجعل مساهمة شخص ما مميزة. لكن إذا تحول هذا الجهد إلى توقع دائم، فقد تصبح زيادة العمل هي الرد المعتاد على مشكلة في القدرة الاستيعابية للفريق.
وتتناول نصيحته «تمهّل في التوظيف، وسارع في الفصل» الضرر الذي قد ينتج عندما يتجنب المديرون معالجة مشكلة مستمرة في الأداء. ومع ذلك، يحتاج القرار المتعلق بشخص إلى توقعات واضحة، وملاحظات مباشرة، ودعم، وتقييم منصف لما حدث. لا تستطيع العبارة الموجزة أن تحل محل هذه الخطوات.
لذلك أستفيد من الكتاب بوصفه مجموعة مواقف تدعو إلى التفكير. يوضح لورد ما اختاره ولماذا. أما نقل اختياره إلى فريق آخر، فيتطلب فهم ظروف ذلك الفريق أولاً.
كيف أطبق هذه الأفكار
تمنحني قصص لورد عدة طرق لمراجعة عملي اليومي في القيادة التقنية والهندسية.
-
أبادر بتوضيح الصورة: عندما يشمل النقاش عدة فرق، أجد من المفيد توضيح المشكلة والقيود ومن يملك القرار. قد يساعد جمع المعلومات أو إشراك الأشخاص المعنيين على تحريك العمل دون أن تصبح كل مسألة مفتوحة مسؤوليتي.
-
أتيح للآخرين الوصول إلى السياق: تخبر خلاصة القرار الزملاء بما اتُّفق عليه. وحين يكون ذلك مناسباً، أدعوهم أيضاً إلى النقاشات التي يتشكل فيها القرار، كي يسمعوا المفاضلات بأنفسهم ويبنون علاقات تتجاوز حدود فرقهم. هذا ما تناولته في الملكية تبدأ قبل اتخاذ القرار: تنقل الخلاصة القرار، لكنها لا تنقل إلا جزءاً من التفكير الذي قاد إليه.
-
أنقل مسؤولية حقيقية: عندما أعرف نظاماً أو مشكلة جيداً، أميل إلى مواصلة العمل عليها بنفسي. ما وجدته مفيداً هو مشاركة السياق الذي أملكه، والاتفاق على النتيجة المطلوبة، ثم ترك المجال لزميل كي يختار طريقة الوصول إليها. أبقى متاحاً للدعم، بينما تبقى مسؤولية العمل لديه.
-
أحافظ على الاهتمام بالمشكلة الأصلية: تبدأ النقاشات الهندسية أحياناً باقتراح ممارسة أو حل محدد. يساعدني أن أسأل عن المشكلة التي دفعت إلى الاقتراح، وعن التحسن الذي نريد رؤيته. عندها تستطيع المجموعة دراسة بدائل أخرى مع الاستمرار في أخذ القلق الأصلي على محمل الجد.
-
أراجع النتائج دون استعادة القرار: عندما يختار الفريق نهجاً مختلفاً عما كنت سأختاره، أجد من المفيد منحه مساحة لتجربته. وقد تعلمت من إحدى هذه التجارب أنه كان ينبغي لنا الاتفاق على النتيجة المتوقعة وموعد مراجعتها قبل أن يبدأ الفريق.
-
أبدي رأيي ضمن حدود دوري: تؤثر بعض القرارات في أشخاص خارج فريقي أو تقع خارج نطاق صلاحيتي. أستطيع جمع الوقائع، وشرح الآثار التي أراها، ومناقشة الاقتراح عند الحاجة. وإذا لم يكن القرار قراري، أنقل هذه المخاوف إلى الشخص المسؤول وأترك له اتخاذه، مع بقائي متاحاً إذا احتاج إلى مزيد من السياق.
يجمع هذه التطبيقات توتر أواجهه كثيراً: أريد أن أمنح الناس مساحة كافية لتطوير حكمهم، وفي الوقت نفسه أبقى مسؤولاً عن توفير الاتجاه والسياق ومتابعة ما يحدث. يساعدني كتاب لورد على التفكير في نوع المسؤولية الذي يتطلبه كل موقف. وقد كتبت عن جانب من ذلك في منح الاستقلالية إطاراً زمنياً.
أهم خمس أفكار خرجت بها
- يمكن أن تبدأ القيادة قبل الحصول على منصب أو فرصة رسمية.
- تطوير قدرة الآخرين على اتخاذ القرار قد يترك أثراً أطول من حل مشكلة واحدة نيابة عنهم.
- الأشخاص المحيطون بالدور وحدود صلاحياته لا يقلون أهمية عن المنصب والراتب.
- القرب من العمل يمنح القائد المعلومات التي يحتاجها لدعم الآخرين.
- تحتاج قواعد الكتاب الأكثر رسوخاً في الذاكرة إلى النظر في الظروف قبل تطبيقها في مكان آخر.
لمن أنصح بهذا الكتاب؟
يناسب لا تنتظر، تولَّ القيادة الآن من يبدأ بقيادة الآخرين أو يتحمل مسؤوليات أكبر دون تغيير واضح في مسماه الوظيفي. ويقدم للمديرين ذوي الخبرة مواقف يستطيعون من خلالها مراجعة عاداتهم في القيادة.
أما من يبحث عن إطار قيادي قائم على البحث العلمي، فلن يجد الكثير من ذلك هنا. يكتب لورد من تجربته ويروي قصصاً. وتزداد فائدة الكتاب عندما يتوقف القارئ عند أحد قراراته ويسأل: ماذا كان يعرف حينها؟ ما الذي كان مهماً بالنسبة إليه؟ وكيف سأتصرف أنا في ظروفي؟
رأيي في الكتاب
يقدم لا تنتظر، تولَّ القيادة الآن مواقف يسهل تذكرها. فدعم بوب للورد، والترقية التي رفضها لورد، وإصراره على سماع تجارب الأشخاص القريبين من العمل، كلها تمنح أفكاراً قيادية مألوفة وزناً عملياً. أما قواعده الموجزة، مثل «تمرين ضغط إضافي واحد» و«تمهّل في التوظيف، وسارع في الفصل»، فتحتاج إلى تقدير الموقف. فطريقة تطبيقها تعتمد على الأشخاص والظروف المعنية.
كيف تحدد الوقت المناسب لتتدخل مجدداً بعد أن تسند قراراً إلى شخص آخر؟