كل كاميرا تحكي حكاية
بين الحين والآخر، أجد نفسي أتصفح كاميرات جديدة. أفتح مراجعة جديدة، أو أقارن ورقة مواصفات أخرى، أو أشاهد مصوّراً يشرح لماذا كاميرا هذا العام أفضل من كاميرا العام الماضي. يبدأ الأمر دائماً بفضول بسيط، وقبل أن أدرك، تمر ساعات. في مكان ما بين فيديوهات المقارنات ومنتديات التصوير وإعلانات الكاميرات المستعملة، أجد نفسي أتخيل كيف سيكون الأمر لو امتلكت كاميرا مختلفة.
منذ فترة، في إحدى تلك الأمسيات، توقفت وسألت نفسي سؤالاً غيّر اتجاه أفكاري تماماً.
ما الذي أبحث عنه حقاً؟
ذلك السؤال أعادني إلى الماضي أبعد بكثير مما توقعت.
أعادني إلى طفولتي، قبل سنوات طويلة من امتلاكي أول كاميرا رقمية.
بعض أقدم ذكرياتي مع التصوير الفوتوغرافي مرتبطة بكاميرات والديّ التناظرية القديمة. كطفل، كنت مفتوناً بها. كانت تبدو ميكانيكية ودقيقة، وكل زر ومقبض ورافعة بدا وكأن له غرضاً. كان هناك شيء سحري في فكرة أن كل لقطة مهمة، وأن الصورة النهائية تبقى لغزاً حتى يتم تحميض الفيلم.
ذكرى واحدة بقيت معي لعقود.
أتذكر أنني أخذت إحدى تلك الكاميرات إلى متجر تصوير صغير في الحي وسألت صاحبه إذا كان يمكنه أن يشرح لي كيفية استخدامها. شرح لي بصبر كيف تعمل الكاميرا، وانغمست تماماً في آلية التركيز اليدوي. في وسط عدسة المنظر كانت هناك دائرة تركيز صغيرة. بينما كنت أدوّر حلقة التركيز على العدسة، كانت الصورة داخل تلك الدائرة تنزلق ببطء حتى تطابق النصفان تماماً. تلك اللحظة الصغيرة من التطابق كانت طريقة الكاميرا لتخبرني أن الموضوع سيكون واضحاً.
لا بد أنني دوّرت حلقة التركيز تلك عشرات المرات ذهاباً وإياباً.
الصورة نفسها أصبحت شبه ثانوية. كنت ببساطة أريد أن أفهم كيف يعمل كل شيء.
عندما أنظر إلى الوراء اليوم، أدرك أن ذلك الفضول أصبح أساس علاقتي بالتصوير الفوتوغرافي.
بعد سنوات، عندما اشتريت أخيراً كاميرتي الرقمية ذات العدسة الأحادية العاكسة (DSLR) الأولى، نيكون D3400، عاد ذلك الفضول نفسه بقوة أكبر.
امتلاك كاميرتي الخاصة شعرت وكأنه بداية فصل جديد. كل عطلة نهاية أسبوع أصبحت فرصة لتعلم شيء جديد. أمضيت أمسيات لا تُحصى في قراءة المقالات، ومشاهدة مقابلات مع مصوّرين، ومتابعة الدروس التعليمية، ومحاولة فهم لماذا بعض الصور تجذب انتباهي فوراً بينما تختفي أخرى بصمت من الذاكرة.
شيئاً فشيئاً، تحول التصوير الفوتوغرافي من مجرد التقاط صور إلى تعلّم كيف تُصنع الصور.
أصبحت مفتوناً بالضوء. بدأت ألاحظ كيف يبدو المكان نفسه مختلفاً تماماً في الصباح الباكر عنه قبل الغروب بلحظات. الانعكاسات في النوافذ أصبحت فجأة جزءاً من التكوين بدلاً من شيء نتجنبه. الظلال أصبحت أدوات لخلق العمق والجو. توقفت الغيوم عن كونها مجرد طقس وأصبحت صناديق إضاءة عملاقة تغيّر مزاج المشهد بأكمله.
ثم جاء الجانب التقني.
أردت أن أفهم لماذا فتح فتحة العدسة يحوّل الخلفية إلى ضبابية ناعمة توجّه انتباه المشاهد. جربت سرعة الغالق لتجميد الحركة أو للسماح لها بالتدفق عبر الصورة. تعلّمت كيف يغيّر البعد البؤري العلاقة بين الموضوع ومحيطه، وكيف أن مجرد اتخاذ خطوتين إلى اليسار أو خفض الكاميرا بضعة سنتيمترات يمكن أن يغيّر التكوين بالكامل.
كل إجابة كانت تفتح باباً لسؤال جديد، وأحببت تلك العملية.
كلما سنحت لي فرصة بعد ظهر حر، كنت آخذ كاميرتي وأذهب في نزهة. أحياناً أتجه نحو حديقة قريبة، وأحياناً أخرى في شوارع المدينة، وأحياناً أتجول بلا وجهة على الإطلاق. زهرة تنمو بجانب الطريق، نسيج باب خشبي قديم، ضوء الشمس يتسلل عبر الأوراق، قطرات مطر تستريح على غصن، انعكاسات بعد زخة صيفية، أو تشكيل سحابي مثير للأهتمام فوق الأفق – أي منها يمكن أن يكون سبباً للتوقف لبضع دقائق.
تلك النزهات أصبحت واحدة من أجمل أجزاء التصوير بالنسبة لي.
شجعتني على التباطؤ والانتباه. أماكن مررت بها مئات المرات كشفت فجأة تفاصيل لم ألاحظها من قبل. التصوير الفوتوغرافي غيّر بهدوء الطريقة التي أختبر بها العالم. علّمني أن الصور الاستثنائية تبدأ غالباً بلحظات عادية يتم ملاحظتها بعناية.
مع ازدياد خبرتي، ازدادت معداتي أيضاً، وفي النهاية انتقلت إلى كانون 5D مارك III.
ما زلت أتذكر الشعور عندما حملتها لأول مرة. شعرت بصلابة تطمئنك. قبضتها تناسبت مع يدي بشكل طبيعي، أزرار التحكم كانت بالضبط حيث توقعت أن تكون، وصوت الغالق كان له وقع يبعث على الثقة. مع مرور الوقت، أصبحت تلك الكاميرا أكثر من مجرد قطعة معدات. أصبحت رفيقاً مألوفاً يرافقني في النزهات والإجازات والتجمعات العائلية ولحظات الحياة اليومية التي لا تُحصى.
مرت السنوات دون أن أشعر.
وجد التصوير الفوتوغرافي مكانه بهدوء في حياتي.
الحياة نفسها تطورت أيضاً.
العمل أصبح أكثر انشغالاً. السفر تغير. اللحظات العائلية أصبحت أكثر معنى. التصوير الفوتوغرافي انتقل ببطء من كونه غاية بعد الظهيرة إلى أن يصبح جزءاً من اللحظات التي أعيشها أصلاً.
في نفس الوقت تقريباً، كان هناك تغيير آخر يحدث.
بدون أن أبحث بوعي، بدأت توصيات يوتيوب تمتلئ تدريجياً بإعلانات كاميرات وفيديوهات مقارنة ونقاشات حول الأنظمة عديمة المرآة. الأصدقاء يتحدثون عن التركيز التلقائي على العين. المراجعون يمتدحون الأجسام الأصغر. المنتديات تناقش العدسات والمستشعرات والتثبيت والأنظمة المستقبلية. كل أسبوع يبدو وكأنه يقدم كاميرا جديدة تعد بإعادة تعريف التصوير الفوتوغرافي.
عاد الفضول مجدداً.
بدأت القراءة.
مقال قادني إلى آخر.
مراجعة واحدة أصبحت ثلاثاً.
كانون قادتني إلى سوني. سوني قادتني إلى فوجي فيلم. فوجي فيلم قادتني إلى نيكون. نيكون قادتني إلى لايكا.
وقبل أن أعرف، كنت أعرف عن الكاميرات أكثر بكثير مما كنت أعرفه قبل بضعة أسابيع فقط.
في إحدى الأمسيات، بعد أن أغلقت مراجعة أخرى، أدركت شيئاً جعلني أبتسم.
لم أستطع تذكر آخر مرة خرجت فيها بكاميرتي فقط للاستمتاع بالتقاط الصور.
بطريقة ما، كانت هواية التصوير الفوتوغرافي قد تحولت بهدوء إلى بحث عن الكاميرات.
ذلك الإدراك بقي معي لعدة أيام لأنه كشف شيئاً أكثر إثارة للاهتمام بكثير من إجابة أي دليل شراء.
بحثي لم يكن أبداً حول إيجاد الكاميرا المثالية.
كان حول فهم أين يتناسب التصوير الفوتوغرافي مع حياتي اليوم.
كلما تأملت في تلك الفكرة أكثر، كلما بدأ كل شيء يصبح منطقياً.
كطفل، كان التصوير يمثل الفضول.
مع نيكون D3400، أصبح تعلّماً.
مع كانون 5D مارك III، أصبح ثقة.
اليوم، التصوير الفوتوغرافي يمثل شيئاً مختلفاً مجدداً. أصبح وسيلة للحفاظ على اللحظات العائلية، وتوثيق الرحلات، والتبطؤ أثناء المشي، وتقدير المشاهد اليومية التي قد تمر دون أن يلاحظها أحد.
هذا أيضاً يفسر لماذا تغيرت توقعاتي من الكاميرا.
الكاميرا التي تناسب حياتي اليوم ليست بالضرورة الكاميرا التي كنت سأختارها قبل عشر سنوات، لأنني لست نفس المصوّر الذي كنت عليه.
ربما لا أحد منا هو نفسه.
كل مرحلة من الحياة تشكّل الطريقة التي نرى بها، والحكايات التي نريد أن نرويها، واللحظات التي نختار أن نحافظ عليها. كاميراتنا فقط ترافقنا خلال تلك الفصول.
عندما أنظر إلى الوراء، أنا ممتن لكل مرحلة من هذه الرحلة.
الكاميرا التناظرية القديمة تذكرني بالدهشة.
نيكون D3400 تذكرني بالاكتشاف.
كانون 5D مارك III تذكرني بالثقة.
أياً كان ما سيأتي بعد ذلك، سوف يذكّرني بهذا الفصل.
الفصل الذي توقفت فيه طويلاً لأدرك أن اختيار كاميرا نادراً ما يكون مجرد اختيار كاميرا.
إنه يتعلق بفهم المصوّر الذي نصبحه.
إذا وجدت نفسك يوماً تشاهد مراجعات الكاميرات في وقت متأخر من الليل، تقارن الأنظمة، تتخيل عدستك القادمة، أو تتساءل عما إذا كانت كاميرا جديدة ستغيّر تصويرك، فأنا أحب أن أسمع حكايتك.
ما هي الكاميرا التي كانت نقطة تحول في رحلتك الخاصة، وماذا علّمتك أبعد من التصوير الفوتوغرافي؟